مراسلون

إصدارات

 

احصائيات

  • عدد الزوار : 3871
  • عدد الصفحات : 25
  • روابط دليل المواقع : 9
  • عدد الزيارات : 96388

المتواجدون في الموقع

11 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

ضيف الشهر

ضيفة هذا الشهر المساعدة التربوية

"بزالة لوبنة "

مساعدة تربوية بمتوسطة 17 أكتوبر 1961 حي النصر. حاورتها مراسلة الموقع التلميذة : " علون سارة "

اقرأ المزيد...

أرشيف الضيوف...

تعلن الإدارة عن إطلاق خدمة جديدة تتمثل في تتبع مسار ونتائج التلاميذ وكذا التواصل مع الإدارة والأساتذة عن طريق الانترنيت فعلى الأولياء الراغبين في الإستفادة من الخدمة التقرب من الإدارة للحصول على بيانات الدخول

حدث اليوم (عيد العلم 16 أفريل)

الشيخ عبد الحميد بن باديس

       مقدمـــــة

   كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث استهدف طمس هوية الجزائر ودمجها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعها، فتعددت وسائلة، وإن جمعها هدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، لتكون لغة التعليم والثقافة والتعامل بين الناس.

   غير أن الأمة لم تستسلم لهذه المخططات، فقاومت بكل ما تملك، ودافعت بما توفر لديها من إمكانات، وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري".

المولد والنشأة
   ولد "عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس" المعروف بعبد الحميد بن باديس في (11 من ربيع الآخِر 1307 هـ= 5 من ديسمبر 1889م) بمدينة قسنطينة، ونشأ في أسرة كريمة ذات عراقة وثراء، ومشهورة بالعلم والأدب، فعنيت بتعليم ابنها وتهذيبه، فحفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" بجامع سيدي محمد النجار، ثم سافر إلى تونس في سنة (1326هـ= 1908م) وانتسب إلى جامع الزيتونة، وتلقى العلوم الإسلامية على جماعة من أكابر علمائه، أمثال العلّامة محمد النخلي القيرواني المتوفى سنة (1342هـ= 1924م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان له تأثير كبير في التكوين اللغوي لعبد الحميد بن باديس، والشغف بالأدب العربي، والشيخ محمد الخضر الحسين، الذي هاجر إلى مصر وتولى مشيخة الأزهر.

   وبعد أربع سنوات قضاها ابن باديس في تحصيل العلم بكل جدّ ونشاط، تخرج في سنة (1330هـ= 1912م) حاملاً شهادة "التطويع" ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهناك التقى بشيخه "حمدان الونيسي" الذي هاجر إلى المدينة المنورة، متبرّمًا من الاستعمار الفرنسي وسلطته، واشتغل هناك بتدريس الحديث، كما اتصل بعدد من علماء مصر والشام، وتتلمذ على الشيخ حسين أحمد الهندي الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل، فعاد إلى الجزائر، وفي طريق العودة مرّ بالشام ومصر واتصل بعلمائهما، واطّلع على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية لهما.

ابن باديس معلمًا ومربيًا

  آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.

  وقد بدأ ابن باديس جهوده الإصلاحية بعد عودته من الحج، بإلقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسطنطينة، فاستمع إليه المئات، وجذبهم حديثة العذب، وفكره الجديد، ودعوته إلى تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها، وظل ابن باديس يلقي دروسه في تفسير القرآن حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في (13 من ربيع الآخر 1357هـ= 12 من يونيو 1938م).

الشيخ الطيب العقبي رفقة الشيخ عبد الحميد بن باديس

 ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار أيضًا، وتطرقت إلى إصلاح التعليم تطوير ومناهجه، وكانت المساجد هي الميادين التي يلقي فيها دروسه، مثل الجامع الأخضر، ومسجد سيدي قموش، والجامع الكبير بقسطنطينة، وكان التعليم في هذه المساجد لا يشمل إلا الكبار، في حين اقتصرت الكتاتيب على تحفيظ القرآن للصغار، فعمد ابن باديس إلى تعليم هؤلاء الصغار بعد خروجهم من كتاتيبهم.

   ثم بعد بضع سنوات أسس جماعة من أصحابه مكتبًا للتعليم الابتدائي في مسجد سيد بومعزة، ثم انتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (1336هـ= 1917م)، ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أنشئت في (رمضان 1349 هـ= 1931م) وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس.

 وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.

  وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر، لأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام، ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم.

  وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، وحمّل مسئولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلّموا الأمة، رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثمًا كبيرًا إذا فرطوا في هذا الواجب.

   وشارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ=1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.

ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

  احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر في سنة (1349هـ= 1930م) فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها.

 شيوخ جمعية العلماء بنادي الترقي

  وقد نجحت الجمعية في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس، وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم.
  وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام (1352هـ= 1933م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

بعض شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

  ولكي ندرك أهمية ما قام به ابن باديس ورفاقه من العلماء الغيورين، يجب أن نعلم أن فرنسا منذ أن وطأت قدماها الجزائر سنة (1246 هـ= 1830م) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية بها، فأغلقت نحوا من ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت تضم مائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون، ووضعت قيودًا مهنية على فتح المدارس، التي قصرتها على حفظ القرآن لا غير، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن، وبخاصة الآيات التي تدعو إلى التحرر، وتنادي بمقاومة الظلم والاستبداد، وعدم دراسة تاريخ الجزائر، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية.

إسهامات ابن باديس السياسية

    لم يكن ابن باديس مصلحًا فحسب، بل كان مجاهدًا سياسيًا، مجاهرًا بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأنه حكم استبدادي غير إنساني، يتناقض مع ما تزعمه من أن الجزائر فرنسية، وأحيا فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظنّ كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (1352هـ= 1933م) واتهمه بالتدخل في الشئون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (1353 هـ= 1936م).

   ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: "حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى –أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرا علينا…! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا"، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

بعض شيوخ و علماء الجزائر

   وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر جريدة "المنتقد" سنة (1345 هـ= 1926م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن المحتل عطّلها؛ فأصدر جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى سنة (1358هـ= 1939م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل "السنة" و"الصراط" و"البصائر".
وظل هذا المصلح -رغم مشاركته في السياسة- يواصل رسالته الأولى التي لم تشغله عنها صوارف الحياة، أو مكائد خصومه من بعض الصوفية أذيال المستعمر، أو مؤامرات فرنسا وحربها لرسالته، وبقي تعليم الأمة هو غايته الحقيقية، وإحياء الروح الإسلامية هو هدفه السامق، وبث الأخلاق الإسلامية هو شغله الشاغل، وقد أتت دعوته ثمارها، فتحررت الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وإن ظلت تعاني من آثاره.
وتوفي ابن باديس في (8 من ربيع الأول 1359 هـ= 16 من إبريل 1940م) .

**يعتبر يوم 16 أفريل من كل عام ، يوم العلم بالجزائر **
 

روبورتاج (حدث اليوم ) عيد العلم 16 أفريل

حرفة التعليم: شرف الرسالة وثقل المسئولية

الاهتمام بالتعليم هو اهتمام بالإنسان كمخلوق ابتلاه الله بالمعاناة والكبد {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } البلد4، وابتلاه بالخير والشر،  والذي يعيش – ما يزال عموما- في الجهل والتجهيل والجهالة، بعيدا عن الحق والنور والكرامة، يحتاج إلى تجديد نداء العلم والإيمان ليعلم أول ما يعلم أنه مكلف مسؤول طرأ على الوجود لحظة من غير اختياره فوجد أمامه صوت الحق يعلمه نور الهداية وعلى رأسه سوط الباطل يرفسه في ظلمة الغواية، فاحتار في أمره، أي طريق يسلك؟إن كان موفقا فسيكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا الحق والصبر والمرحمة، فيتعلم الخير ويعلمه، وإن لم يكن فسيخوض مع الخائضين ويلهو مع التافهين إلى أن يغادر بعد حين من الدهر كان لم يكن شيئا مذكورا، بلا تعلم ولا تعليم.

 

 

أي تعليم نريد؟

       أي تعليم ينقلنا من مهانة إلى عزة، ومن ضعف إلى قوة، ومن استهلاك إلى إنتاج، ومن فساد عام إلى خيرعام؟

يشتكي المسلمون اليوم من انحراف الأبناء نتيجة فساد السياسة الإعلامية الرسمية وما أصبحت تشكله الهيمنة الصهيونية من خطر إعلامي (التلفزة والمجلة الملونة و الهاتف النقال و شبكة المعلوميات...) على تربية الأبناء وتعليمهم، إذ أفسدت مشاعرهم وميعت أذواقهم وحرفت أفكارهم وشلَّت مواقفهم وسلبت إراداتهم وسرقتهم من حضن الآباء والأمهات...فأي تعليم نريد؟

لا حاجة للأمة بتعليم ممسوخ ينسيها إسلامها ومصيرها في الدنيا والآخرة، و لا حاجة لها بتعليم متحجر متنطع، يُحرِّم كل شيء ويُجرِّم كل اجتهاد، وإنما حاجتها ملحة اليوم وغدا إلى تعليم جامع شامل متكامل، فيه الإيمان الجديد، وفيه بأس الحديد (الصناعة والتكنولوجيا)، نحتاج من يُوطن التكنولوجيا ويطورها لخدمة المطالب الكبرى للإسلام، نحتاج إلى طاقاتنا المهمشة وعقولنا الجبارة المهاجرة كرها، نحتاج إلى مختلف العلوم الحقة التي تربت معظمها في حضن أمتنا ثم رحلت عنها لما وجدت دفأها عند الغرب، نحتاج ليس فقط إلى قرار حكومي شجاع بل وبالأساس إلى تكافل جهود الأمة دعوة ودولة، مسجدا وإدارة، أسرة وإعلاما ...نحتاج نهضة تاريخية جامعة.

التعليم هو الواجهة الأساسية في تحسين نمط تفكيرنا وعلاقاتنا وخدماتنا.

إن التعليم في التصور الإسلامي لا ينفصل عن رسالة القرآن؛ مبتدئه وخبره، أمره ونهيه، لأن مضمون التعليم لا يكون أصيلا إلا إذا كان قرآنيا يحافظ للتلميذ والطالب على جذوة الإيمان التي بها يكون عبدا صالحا لنفسه ومع غيره من المسلمين والخلق أجمعين، ويدربه على أن يكون فعالا منتجا يستثمر ما وهبه الله تعالى من قدرات ومهارات عقلية في بناء كيان الأمة.

هدفان كبيران متكاملان إن حاد التعليم في بلاد المسلمين عن الجمع بينهما فإنه يفقد الجدوى ولا يرقى ليُسَمَّى تعليما إسلاميا:

1- الهدف الأول: تربوي نفسي: يروم تربية البواعث الإيمانية عند الناشئة حتى تشب على محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الاستقامة والانشراح والتفاؤل والرفق، على الفعالية والاقتحام والنهوض، على الإيجابية و البناء والصلاح. على الولاء لله جملة، لا للطاغوت. {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} آل عمران101.

2- الهدف الثاني: عملي تدريبي يتجلى في إكساب النشء المهارات والآليات التي تُحرِّره من آفات التبعية والتخلف والدُّّونية والالتقاطية والانغلاق، تعليما جامعا بين العلم الحق (العلم بالله وباليوم الآخر..) والعلوم الكونية (فيزياء، كيمياء ورياضيات وفلك...) التي هي طيعة في يد من يستعملها. جامعا لكل ما ينفع الفرد المؤمن والأمة المستخلَفة في الدنيا وفي الآخرة...

وتنقسم الوظائف الكبرى للمدرسة في المجتمع الرأسمالي إلى وظيفتين: الأولى وظيفة إيديولوجية تهدف بالأساس إلى الحفاظ على نفس علاقات الاستغلال السائدة؛ والثانية وظيفة اقتصادية وهي الإسهام في تزويد المنشآت الرأسمالية بيد عاملة مؤهلة وأطر متخصصة.

لهذا فالجواب السليم لسؤال الوضع الكارثي للتعليم الذي نعيشه، -بل ورثناه وتربينا عليه منذ زمن طويل- هو إعادة بناء كيان التعليم كركن ركين في البناء الكلي لمقومات أمتنا، إذ بالتعليم تتغير عند أبنائنا كيفيات الشعور والتفكير والعمل.

قضية التعليم محورية في إصلاح الأمة أو في إفسادها.

 

أي  مُعلِّم  نريـد؟

        من مهام النبوة؛ التعليم، إذ بُعث النبي صلى الله عليه وسلم مُعلِّما للبشرية { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة151، فأي تعليم كان يُعلِّمه الرسول صلى الله عليه وسلم؟

هل فقط التهجي والقراءة والكتابة؟ أم أنه تعليم العلم النافع الذي يفيد العبد في العاجلة والآجلة؟ هل كان تعليما دنياويا ماديا صرفا؟ أم أنه كان تعليما ربانيا قرآنيا؟ هل كان تعليما من أجل التعليم ومعرفة من أجل المعرفة؟

كلا وبلى، كان تعليما هادفا إلى غرس أبجديات الإيمان مع غرس أبجديات الحروف،  قاصدا تربية الخُلق الحسن مع تنمية قدرات التفكير والعمل.

        في زمننا هذا لا تزال ولله الحمد نماذج ناجحة في مُهِمَّتها، في عملها الجهادي- والتعليم جهاد- وهي مِلْح الميدان وقاعدة الإصلاح، لكن دونها تتكاثر النماذج السلبية التي تزيد من كارثية الوضع وقد تبرره و تستغله للأسف، أو تتأفف منه عاجزة عن التغيير، يائسة من كل تحول إلى أحسن، متنكبة عن التعاون من أجل التأسيس لحياة إسلامية راشدة.

فبحجم ونوعية التعليم الذي ينبغي لا نريد معلما مُغَرَّبا لأن استلابه من طرف الغرب يمنعه من حفظ فطرة أبنائنا إذ غالبا ما يدس فيها الشكوك والظنون وتأليه العقل واللهث وراء رغبات الجسم بلا حدود،

ولا نريد مُدرِّسا مُدجَّنا منبطحا عبدا للحوالة ، يخشى الناس من دون الله، ويطبق التعليمات تطبيقا حَرْفيا كيلا يلومه المفتش أو المدير! ويُعْجَب بأستاذيته وراتِبه الشهري وكأنه سقط عنه التكليف بمجرد حصوله على رقم التأجير!

 نعم واجب عليه أن يكون أمينا، وأن يقوم بخِدمته على أحسن وجه ممكن، لكن حامل رسالة الإسلام والإيمان مُتَهَمِّم  ومعه لوعة التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولا نريد نموذجا مستقيلا محايدا لا قضية له إلا في مأكله ومشربه، غير مُبال، لا يُحل حلالا ولا يُحرِّم حراما، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لا مِن هؤلاء ولا مِن هؤلاء، وكأن مهمته في الحياة هي زيارة ضريح المدرسة صباح مساء، وليس وراء ذلك رسالة من الله يجب تبليغها أو أمانة ثقيلة يتحتم حملها.

حري بالمدرس المسلم أن يكون صاحب رسالة عظيمة، أن يكون نورا حيا بين الناس، نموذجا ناجحا تشعُّ استقامته واستماتته في الحق وسط المجتمع ككل، حاملا لا محمولا، فاعلا لا مفعولا به، مُسْهِما في تغيير واقعه و إصلاح ما بأمَّته، يحمل قيم الخير والنور والعلم والعدل، يتمثل ميراث النبوة في التبليغ، يدعوا الناس إلى ربِّ الناس، يرشدهم إلى ما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم. ولا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى. لا ليقال له فعلتَ أو تركتَ.

 نريده مبلغا رِساليا. يخشى الله ويتقيه فيمن كُلِّف بتعليمهم وتربيتهم.

 

المُدرِّس الرِّسالي "مُنسجم في نفسه، مُرتاح في سِربه الإجتماعي، سوي في بِنيته النفسية الخلقية، كُفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة...

وهذا النمط لا يتعايش و لا يزدهر إلا إذا كان نفس النمط له القيادة والسيادة في الحقل السياسي". (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 173)

فكيف نكون أقوياء أمناء في حرفتنا؟ كيف نكون رجالا ونساء فعلة، نربي ونعلم ونخطط للحرية والعدالة والتقدم والتقنية؟ ففي فرنسا يسمى المعلم ب "مهندس الحرية"، فكيف نخطط نحن لنكون ناجحين في العاجل والآجل، في الدنيا والآخرة؟

ثلاثة إنجازات كبرى ومتكاملة تختصر احترافية الأستاذ ونجاحه في مهمته التربوية التعليمية:

1- زرع الحافز الإيماني الاقتحامي الذي ينمي في التلميذ والطالب قدرات الإبداع و الإنجاز و العطاء.

2- إعداد المشاريع البناءة في الخير ومتابعتها، وهنا نحتاج إلى كفاءة المدرس من جهة وإلى تحقيق نوع من الرخاء المادي الذي يكفل له القيام بمهمته على أحسن ما يطلب وما ينبغي

3- إصلاح الواقع الذي يعيش فيه ومعالجة أدوائه، فهو الذي يعايش جميع مستويات أبنائه ويطَّلع على مختلف توجهاتهم وطموحاتهم ومعاناتهم.

المدرس هو الواسطة الحية الضرورية في عملية التربية والتعليم وهو يحتاج إلى زاد القرآن وأخلاق أهل الإيمان، وسخاء أهل الفضل والإحسان. رجل التعليم كأم موسى تُرضع ابنها وتحِن عليه وتأخذ الأجر المادي من فرعون .

 

أي  مستقبل  نريـد؟

 

        إذا كان المدرس واعيا بحرفته المهارية والعلمية والدعوية، فإنه باستبشاره وتفاؤله وحسن ظنه بالله وبالناس يتخطى بؤس الحاضر الذي تداعت فيه علينا غثائيتنا وتكالب علينا الأعداء من بني جلدتنا ومن خارج أسوار تجزئتنا القطرية –عجل الله بتوحيد طوائف الأمة-،

 يسهم في تغييرا أوضاعنا في مختلف المجالات وأولاها الآلة التي بها يتغير التعليم و الأسرة و الاقتصاد والإعلام وهي الحكم.

المستقبل في هذه الأمة للإسلام أحبَّ من أحب وكرِه من كره، المستقبل نصرٌ و تمكينٌ لدين الله في الأرض، المستقبل عزة وكرامة وحمل رسالة الرفق والخير إلى العالمين، نحن بين يدي الخلافة على منهاج النبوة، عودة الإسلام دعوةً ودولةً مجتمعتين، قرآنا وسلطانا مقترنين، مسجدا وحُكما متكاملين.

ثم ماذا بعد؟

الحياة الدنيا ابتلاء { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، عُمرك أخي ابتلاء وحِرفتك ابتلاء، وما رزقك الله من علم ومنصب وجاه ومسؤولية ابتلاء، بعده وقوف بين يدي الواحد الديان الذي لا تخفى عليه خافية. بعده لقاء الله {ثم إليه ترجعون}.

 

شارك بتعليق - رأيك بالمقال

0
شروط وخصوصية الموقع.
  • لاتعليقات حتى اللحظة

غير لغة تصفح الموقع

Arabic English French

تسجيل الدخول

أقلام تربوية

إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالمدرسة الابتدائية

 إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالمدرسة الابتدائية

يشتكي الكثيرون من هذا الجيل الصاعد ، يقولون : أي...

حرفة التعليم: شرف الرسالة وثقل المسئولية

حرفة التعليم: شرف الرسالة وثقل المسئولية

الاهتمام بالتعليم هو اهتمام بالإنسان كمخلوق ابتلاه الله بالمعاناة والكبد...

رأيك نحترمه فلا تبخل به علينا

ما رأيكم في موقعنا ؟

جميل جدا - 62.5%
جميل - 15%
متوسط - 10%
لم يعجبني - 10%
لا أعلم - 2.5%

Total votes: 40
The voting for this poll has ended

تواصل على المواقع اجتماعية

   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.     

.:: تعليقات جديدة ::.

رائـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع جـ...
شكرا كثيرا على هذا الحوار ممكن طلب يا استاذ الاعلا...

النشرة البريدية

من خلال إدخال بريدكم الإلكتروني.